مرحبا بكم في موقع منتدى الحكمة, أعضاء منـتدى الــحـكـمــة للمـفـكرين و الباحثين يتمنى لكم زيارة موفقة
        تقديم      أبحات     أنشطة      متابعات     جديد     اتصل بنا    


 

 

تساءل الكثيرون وباندهاش، خاصة في أمريكا عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر: لماذا يكرهوننا؟ فتح النقاش على نطاق واسع وتعددت التحليلات والأجوبة، إلا أن الجواب الذي يبدو أن الغالبية قد استكانت إلي، بعدما تم ترسيخه وتكريسه من طرف الآلة الإعلامية والسياسية، يفيد أن هؤلاء (المسلمون) يغارون من نمط حياة الغرب وأنموذج حضارته!! والغيرة هذه تنبع من كون هؤلاء المسلمين عجزوا عن اللحاق بالحضارة والخروج من وأداة التخلف. فبغض النظر عن خفة وسخافة الجواب.....


 

 

              أبحـــــــــــــــــــــــاث و محــــــــــــاضــــرات  :

كونية نظام الأسرة
في عالم متعدد الخصوصيات
رجاء ناجـي/مكاوي

انطلاقــا من آية :
* يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام. إن الله كان عليكم رقيبا
سورة النساء، آية 1

في هذه المحاضرة سأتناول بالتحليل، المنهاج المعتمد لمقاربة مشاكل الأسرة في العلوم الاجتماعية الحديثة مع مقارنته بالمنهاج المعتمد في السياسة الأسرية الإسلامية؛ وهذه المقارنة هي التي ستحدد لنا أي المنهاجين المذكورين أقدر على أن يحقق كونية نظام الأسرة وينسجم مع خصوصية مجتمعنا، ويؤمِّن تماسك الأسرة ويشكل لبنة لسياسة أسرية رصينة وهادفة. 

التعريف بشكل التناول المعتمد في العلوم الاجتماعية في موضوع الأسرة
لقد نبهتني الأبحاث التي خضتها إلى استجلاء عدد من الاختلالات طالت منهجية مقاربة الأسرة وأختزلها كالتالي:

فلعل أخطر خلل اعتور منهجية العلوم الاجتماعية هو فلقها لنواة الأسرة : وذلك بسبب معالجة مشاكل كل عضو فيها على حدة، بمعزل عن باقي أعضائها وبعيدا عن انتمائه الأسري. بحيث سُحِبَت المرأة والطفل مثلا من الأسرة وجُعلت الأسرة خصما لهما. وبالنتيجة، عولجت كل مشاكلهما من خارج الأسرة لا من داخلها، وعولجت بشكل مجزأ.
وبذلك تفرَّق أعضاء الأسرة شيعا لا جامع بينهم سوى الإحساس بالظلم والمنافسة، والتوجس وتبادل الاتهامات.

وأما الخلل الثاني في المنهاج الحديث، فتمثل في تجزيئه لقضايا الأسرة وافتقاده لسياسة أسرية شمولية: وأوجه الاختلال متعددة أهمها:
• غياب التنسيق بين مختلف مشارب العلوم
• معالجة القضايا بشكل تجزيئي ودون تحديد أوجه التفاعل المفترض بين مختلف القضايا ودون تصور التداعيات الناتجة عن الحلول التجزيئية المقترحة؛
• عدم استجلاء الأسباب الحقيقية لتمزق الأسرة؛
• عدم رسم المقاصد البعيدة المبتغاة (وأهمها استقرار الأسرة).

وثالث خلل في المقاربة المعتمدة في العلوم الاجتماعية الحديثة تمثل في اعتمادها العقلانية المتطرفة واللادين. ذلك أن الأيديولوجيا الغربية ومعها مختلف مشارب العلوم، في رحلتها الاندفاعية للتمرد على الكنيسة وجبروتها، تمردت في واقع الأمر على القيم الدينية دون تمييز بين ما يعتبر دينيا مثاليا وخادما للأسرة، وبين ما يعتبر مجرد اختلاق وتعسف واستبداد من الكنيسة.

ورابع خلل تمثل في نبذ القيم والآداب والأخلاق. إذ من تداعيات الحداثة المادية تبرؤ الفكر من الثوابت التي كانت تنظم التزاوج والمعاشرة. وبما أن الأسرة مكانٌ لغرس القيم ووسيلةٌ لنقل الأخلاق من جيل لآخر، فإنها كانت المستهدف الأول بمعول الحداثة المادية.

وإن الاخلالات التي طبعت المقاربة التجزيئية لم تكن دون آثار، لذلك سأتوقف عند أهمها

فأول هذه الآثار إخراج ثوابت الأسرة من دائرة النظام العام
إذ تحت تأثير الأيديولوجيات الفردانية أُخرِج من منظومة القيم المجتمعية أي من دائرة النظام العام، كل من :
1. العلاقة الزواجية : وذلك لفائدة حرية المعاشرات،
2. اختلاف جنسي الزوجين : بالسماح بالتزاوج المثلي،
3. النسب : ودلك بالاعتراف للأم بحق اختيار اسم الطفل دون تقيد بضوابط النسب، وبحق إلحاقه بنسب أي شخص يقع عليه اختيارها وتغيير نسبه عدد المرات التي تريد.
4. الإنجاب الذي أخرج بدوره من النظام العام نتيجة الحرية الجنسية...

وعلى الجملة، أفسح المجال واسعا لتحكم الشهوانية والفردانية والأنانية في العلاقات "الأسرية" أو بالأحرى في المعاشرات بين شخصين أو أكثر، فترتب عن ذلك : تعدد أشكال "الأسرة".

عامل آخر أثر بشكل كبير على هيكل الأسرة وثباتها، وهو إدماج قانون الأسرة بجل الدول الغربية في القانون المدني. ومعلوم أن القانون المدني يهتم بالمعاملات والحقوق المالية. لذلك فقواعده تعتبر من القانون الخاص لا العام. وإدماج قانون الأسرة في القانون المدني أخضعه لذات القواعد أي لسلطان الإرادة.

وثاني أثر للمقاربة التجزيئية هو إذكاء التنافسية داخل الأسرة:
* وأول وجه للتنافسية، التصارع بين الجنسين : إذ تحت تأثير الخطاب الماركسي اعتُبر الزواج استلابا للمرأة واسترقاقا لها من قبل الرجل وزُعِم أن أول صراع في تاريخ البشرية كان بين المرأة والرجل...

* وثاني مجال للصراع، ما يسمى بالسلطة الوالدية. إذ بكثير من المبالغة جُعِلَت كل سلوكيات الأب ووصايته على أبنائه مرادفا للتسلط والاستبداد.
وبعد إذكاء صراع متعدد داخل البيت، سعت الحكومات للحد من تداعياته، فاستحدثت مؤسسات عدة، لمساعدة الأسرة على حل المشاكل. لكنها للأسف ما فتئت أن تحولت إلى مصدر للخصومة وبث مزيد من التضاد
وبذلك انحشرت أجسام غريبة في الأسرة وتحولت مهمة الأجهزة إلى وسائط لتأليب الأبناء على آبائهم والزوجات على أزواجهن، وأكثر دقة، إلى معاول لهدم استقرار الأسرة.

وثالث أثر أفضى إليه التناول التجزيئي لقضايا الأسرة الاستخفاف بالالتزامات والتكاليف الأسرية
ذلك أن ارتجاجا كبيرا عصف بالتوزيع التقليدي للأدوار. فمن جهة أدى الانتصار المندفع لحظوظ وامتيازات المرأة وإعفائها من الالتزامات الأسْرية إلى تسلطها. ومن جهة أخرى أدت الزيادة في تكاليف الرجل، وفي وسحب كل سلطة منه وتطويقه بالجزاءات، إلى تجريده من كافة صلاحياته داخل الأسرة.
بالتالي، فالإكثار من حظوظ المرأة قادها إلى الانفلات والاستخفاف بالحياة الزوجية كاملة. وفي المقابل أفضى تطويق الرجل بالقيود والالتزامات والجزاءات إلى النفور من الزواج.

على أن آثار المنهاج الحديث لم تقف عند هذا الحد بل أفضت إلى تداعي الأسرة النووية نفسها
وأكتفي بإعطاء بعض المؤشرات الديموغرافية التي تبرز مقدار تفكك الأسرة النووية، وأختزلها كالتالي :
• انهيار خطير في الإقبال على الزواج لفائدة الخدانة،
• تراجع ليس أقل خطورة في معدل الخصوبة رغم ما تنفقه الحكومات لتشجيع الإنجاب ولو خارج الزواج،
• كثرة الطلاق،
• تنامي العزوبة والعزوف عن الزواج،
• شيخوخة الساكنة، وتعرض مجتمعات بكاملها للانقراض،
• كثرة "الأسر" الأحادية الفرد،
• اضطرابات خطيرة في سلوكيات الأطفال والشباب تقود في كثير من الحالات للانتحار أو الانحراف...

وفي عجالة أعرج على آثار المقاربة الحديثة على الأسرة المسلمة
فطريقة تناول قضايا الأسرة وأسلوب الطرح يتوحدان في العلوم الاجتماعية الحديثة لما طالهما من التدويل فكان طبيعيا أن تتشابه، الأعراض بين الأسر العالمية، كارتجاج ثوابت التعايش، ارتفاع وتيرة الطلاق، وبدء انتشار سلوكيات الفردانية والحريات غير المنضبطة، ارتفاع سن الزواج والعزوف عنه، فقد المسنين لمكانتهم، ارتفاع وتيرة الأطفال غير الشرعيين...

زاد من تعقيد المشاكل في الدول الإسلامية إحجام البحوث عن إيلاء الأسرة الأهمية التي تستحقها، وعدم توظيف ما ورد بشأنها من قيم وضوابط تحفظ العشرة، وعدم إبداع حلول ملائمة لخصوصيتها

كما ترتب عن ذلك حالة لاانسجام بين الموروث والمستورد، وانقلاب العمل الفكري إلى حلبة تضاد وصراع، مما أفرز أزمة هوية تتأرجح فيها المجتمعات والنخب، بين الالتصاق المتصلب بالموروث، وبين التهجم على القيم والثوابت ومعاداة مجانية للأسرة الأصيلة، وقيمها.

والحاصل أن ما أنتجته الحداثة المادية ليس نظاما للأسرة، بل فوضى في المعاشرة وتنويع لأشكال المساكنة بما لا ضابط له ولا انتماء ولا لون. وأن ما تسعى الحداثة المادية إلى إشاعته وضمان كونيته ليس نظاما بل فوضى. من هنا كان استعمالي (في عنوان الدرس) لعبارة نظام الأسرة في صيغة المفرد. وهذا يؤكد أنه لا يوجد سوى نموذج واحد للأسرة قابل لأن ينعت بالنظام، هو نظام الأسرة الزواجية.
المنهاج الشمولي الإسلامي وتطبيقاته على الأسرة
وسوف أستهل الكلام في المنهاج الإسلامي بإبراز المعاني التي تتضمنها الآية الأولى من سورة النساء التي جعلتُـها منطلقا للدراسة، بعد ذلك أستعرض الأصول الكبرى المؤطرة للأسرة:
بسم الله الرحمان الرحيم
* يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخَـلَـقَ منها زوجها وبثَّ منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تَسَّاءَلون به والأرحام. إن الله كان عليكم رقيبا (صدق الله العظيم).
سورة النساء، ثاني أكبر سورة، وأكثر السور من حيث حجم الأحكام المنظمة للحياة الأسرية والاجتماعية، بدأ نزولها بعد الهجرة، لغاية التأسيس للأسرة المسلمة المتينة وتجديد لبنات النظام الداعم لها.
بحيث ظلت "مفتوحة" تحتضن الأحكام المنظمة للأسرة والمجتمع الإسلاميين لبنة لبنة وبالترتيب الذي يتناسب والمقام ومستوى استيعاب المخاطَبين للمبادئ الأولية طبقا، لمنهاج علمي محكم وبعيد المدى.
والسورة جاءت على شكل زُمَـرَ من الأحكام المتراصة المتكاملة فيما بينها، كل حكم يشكل قاعدة لا غنى عنها لتأسيس الأسرة والجماعة المسلمة على أسس صلبة. ولا ندعي أنها شملت كافة الأحكام المؤسسة والضابطة للأسرة، بل كملتها سور أخرى أهمها : سورة الطلاق والتي يسميها المفسرون بـ"النساء الصغرى" وسور أخرى (البقرة، الأحزاب، الحجرات...).
ولنتأمل في مطلع سورة النساء الذي يحمل وحده قواعد وأحكاماً أخلاقية وتشريعية لا مزيد على متانتها:

* يا أيها الناس: والخطاب هنا كوني موجه لكافة الناس وليس للمسلمين وحدهم. وبذلك سـيُبـَيِّـن الخصائصَ الأزليةَ للأسرة الجزءُ التالي من الآية وآياتٌ أخرى من نفس السورة وسور أخرى، من منطلق أن المعاشرة لا تستقيم إلا وفق ضوابط وحدود صارمة، إذا لم تراع يتداعى نظام الأسرة من الأساس. بما يؤكد أن شكل الأسرة ليس جديدا بل هو أزلي ووجد منذ أن وجدت البشرية.

اتقوا ربكم: والملاحظ هنا ربط بناء الأسرة بالتقوى واحترام حدود الله. وتفتَتِحُ السورة بالدعوة لتقوى الله، ثم يتكرر ذات الأمر في نفس الآية. بما يدل على أن أحكام الأسرة حقوق لله، أي من النظام العام.

خلقكم من نفس واحدة: وقد توقف المفسرون مليا عند تأنيث لفظ النفس، وذهبوا إلى أنه يُؤَنَّث ولو عُنِيَ به ذكر وإن كان يجوز في الكلام "من نفس واحدٍٍ"، وهذا على مراعاة المعنى كما يقول القرطبي. والتأنيث هنا له دلالة غير خافية تؤكدها آيات عدة كلها تكريم للأنثى (وليس الذكر كالأنثى، كما في سورة آل عمران.

وخلق منها زوجها: خلق زوجها منها، من نفس جنسها وإن كان مختلفا من حيث الذكورة والأنوثة، خلقها من ذات كرامتها وعزتها، أي بما يضمن التسوية المطلقة في الخلق التي لا تكلُّفَ فيها وبما يتجاوز المساواة التي تنشدها التشريعات المعاصرة.
من جهة أخرى، فاستعمال لفظ "زوجَها" يحمل دلالة التزاوج الشرعي القائم على أسس شرعية أهمها اختلاف جنسي المتزوجين.

وبث منهما رجالا كثيرا ونساء: بما يؤكد إحدى غايات الزواج والحكمة من اختلاف الجنسين، وهي ضمان اسمرار الجنس البشري.
والزواج بهذا المقتضى، لباس حيث يلبس كلا الزوجين الآخر، ويندمج فيه ويتوحد معه ويستودع سرَّه فيه.

واتقوا الله: لمزيد تأكيد يعاد ربط بناء الأسرة وأسسَها بالتقوى، تقوى الله في كل السلوكيات والحركات والسكنات، في السر والعلن. وليس أكثر ضمانا لاستقرار الأسرة من أن تؤسَّس العشرة على خشية الله في الآخر. على أن التقوى لا تكتمل بمجرد رعاية الحدود والقيام بالواجبات، وإنما بالإحسان والكرم في أدائها.

تسَّآءلون به: أدغمت في تسآءلون التاءان، والإدغام وتشديد السين ليس لمجرد تخفيف النطق، بل يوحي الإدغام هنا بالتشديد على المسؤولية لخطورتها (كما في سورة عبس فأنت عنه تصَّدَّى وما عليك ألا يزَّكى... فأنت عنه تلهَّى، وفي سورة مريم: تُسَّاقِط...). فبعد الأمر السابق بالتقوى، جاء إدغام التاءين وتشديد السين لتأكيد المسؤولية أمام الله وأمام الشرع وأمام السلطة القيمة على الأسرة.
يؤكد هذا التأويل كون عدد من الآيات أردفت أحكام الأسرة بالأمر برعاية حدود الله. وحدود الله قواعد شرعية من النظام العام، بحيث تجب رعايتها، ويجب على أجهزة الدولة الحرص على حسن تطبيقها ومرافقتها بالإلزام وبالجزاء في حال خرقها. وعبارة حدود الله اقترنت أكثر ما اقترنت بنظام الأسرة.

والأرحامَ: أُردِفت المسؤولية عن الأرحام على المسؤولية عن تقوى الله. ولن أخوض في التأويلات اللغوية التي أوردها المفسرون. وأيا ما كان إعراب الأرحام، أي "والأرحامَ" أو والأرحامِ، فالحكم المستخلص من السياق هو: "اتقوا اللهَ أن تَعْصُوهُ واتقوا الأرحامَ أن تقطعوها". قال الضحاك: واتقوا الله الذي تعاقدون به واتقوا الارحام أن تقطعوها ولكن بَرُّوها وصِلُوها. يؤكد ذلك أن الأمر برعاية ذوي الأرحام تكرر في عدة مواضع، قَرَنَت بين العقوق وقَطْع الرحم وبين الشِّرك بالله. ويجدر التنويه إلى أن الآية تركز على قرابة الرحم بوصفها سببا موجبا للمسؤولية، وفي هذا زيادة تكريم للمرأة، باعتبارها سبب القرابة الرحمية.

إن الله كان عليكم رقيبا : في ذات الآية، تتكرر للمرة الثالثة الإشارة إلى كون العلاقات الأُسْرية من حقوق الله التي يتولى اللهُ الرقابة على حسن رعايتها ويرقبها بذاته العلية.

الأصول الكبرى المؤطرة للأسرة:
انطلاقا مما سلف، وانطلاقا من الأصول الشرعية الكثيرة الضابطة للأسرة، سأجمل هذه الأصول في خمسة:

الأصل الأول : التناول الشمولي للأسرة
وأختزل أوجه شمولية المنهاج الإسلامي في اثنين أساسيين:

الوجه الأول: تحديد حقوق الأفراد من منطلق اندماجهم في الأسرة
وقد سلف أن سورة النساء هي أكثر السور من حيث حجمُ الأحكام ، وهي تحمل كعنوان : النساء . وفي هذا ما يكفي من التشريف للمرأة بوصفها العماد الأساس للأسرة، وأن معالجة قضايا المرأة لا يمكن بأي حال من الحال أن تعالج في معزل عن موقعها داخل الأسرة.
أما ثاني ميزة فهي شَكْلُ تناولِ قضايا المرأة. ذلك أن القرآن الكريم أدمج المرأة في الأسرة رفعا لشأنها وليس إذلالا لها أو استغلالا لأنوثتها أو استصغارا لقيمتها...كما يريد البعض، تماما كما أدمج باقي أفرادها فيها. وغاية الشرع الوصول إلى معالجة شمولية تحدد مركز كل الأفراد داخل الأسرة في تداخل وتكامل وتآزر.
وشكل التناول هذا مخالف تماما لمنهاج المقاربة الحديث. فهذا الأخير انتزع المرأة والطفل انتزاعا من الأسرة وجردهما من كل انتماء أسري، بل جعلهما في موقع تصارع وتضاد مع باقي أفرادها المنتَـزَعين بدورهم من الأسرة. وقد تبين بالأدلة كيف أن طريقة التناول التجزيئية كانت أخطر عامل فلق نواة الأسرة وفرقها شيعا متضادة.
على هذا، فالشرع الإسلامي حرص كل الحرص على ألا يتناول مركز أي فرد إلا من داخل الأسرة نفسها ومن منطلق علاقة التساكن والسكينة التي يجب أن تسود.

والوجه الثاني للتناول الشمولي: وضع سياسة عامة تعالج كافة جوانب الحياة وتوظف كل الآليات الممكنة لذلك
فمن أهم ما يميز السياسة الأسرية في الإسلام، أنها عالجت القضايا الكبرى بمعية بعضها البعض، وأنها وظفت كافة الجوانب الأخلاقية والدينية والسيكولوجية والتربوية والتشريعية، وكل القيم والقواعد والأدوات الممكنة لتحقيق تماسك واستقرار الأسرة.

وفي موضوع الأسرة بالذات، فالحاجة ماسة لأن ينهل المشرع قواعده من القيم. علما بأن التشريع المثالي هو الذي يرتقي بالقاعدة الخلقية إلى مصاف القواعد القانونية الملزمة ولا يجاري أهواء الناس.
أما الأصل الثاني الضابط للأسرة: فهو اعتبار أحكامها من النظام العام
ومما يرمز لإدراج مؤسسة الأسرة ضمن النظام العام أمران:
الأمر الأول : حِرْصُ النصوص على تحديد الأسس الشرعية لبناء الأسرة، وحَصْرُها في شكل وحيد هو الزواج، وتقنين العلاقات الأسرية ووضع قواعد لتدبير أمور البيت وإخضاعها لحدود الله، أي للنظام العام.
والأمر الثاني :اعتبار الزواج ميثاقا غليظا. ونفس النعت يلحق الآثار المترتبة عنه وأهمها الإنجاب والبنوة والنسب وكلها من النظام العام بحيث تنتج آثارها تلقائيا، انطلاقا من أحكام الشرع لا من إرادة الأفراد وأهوائهم.
والميثاق التزام أمام الله والشرع وأمام الزوج الآخر وأمام المجتمع، برعاية بنود هذا الميثاق في السر وفي العلن.
على هذا فالزواج : ميثاق حياتي واجتماعي واقتصادي وقيمي :
* فهو ميثاق حياتي، حيث الأفراد يشكلون امتدادا لبعضهم البعض،
* وميثاق اجتماعي، أي مجال للتعاون والتكامل والتكافل واقتسام الأدوار،
* وميثاق اقتصادي أي مجال لتجميع الثروات وإدارتها وتداولها،
* وميثاق قِيمي باعتبار الأسرةَ المجال الأمثل لتثبيت القِيَم والأخلاق وتوارثها.

الأصل الثالث المؤطر للأسرة: ضبط السلوكيات لغاية ضمان السلم الاجتماعي
فالأساس الأول للسياسة الأسرية في الشرع الإسلامي: أنها تركز على التكاليف كمقابل لإقرار الحقوق.
وقد سلف أن منهاج العلوم الاجتماعية الحديثة المنتصر للحريات والحقوق الفردية والمهمل للواجبات، أفضى لنَبْذ التكاليف الأسرية والتخلص منها. فيما ركزت السياسة الأسرية الإسلامية على الواجبات والتكاليف بقدر ما فعلت مع الحقوق والحريات، بل وبقدر أكبر. ويمكن اختزال ذلك في الحديث الشهير "كلكم راع وكلم مسؤول عن رعيته...


والأساس الثاني لضبط السلم الاجتماعي : الدعوة للتخلق بالإحسان في تنفيذ التكاليف
لا يكفي في السياسة الشرعية أن يقوم الفرد بالواجبات الملقاة على كاهله، بل عليه أن يطلب الإحسان في تطبيقها. أي أن يزيد على ما كلف به، لكن ليس على وجه الإكراه، وإنما بمبادرة وإيمان منه.
وفي هذا الخصوص نهج القرآن الكريم نهجا دقيقا، حرص على أن يحَبِّبَ للفرد ما يقوم به من أعباء أكان في رعاية والقِيَامِ على الزوج الآخر أو على الأبناء أو تربيتهم.
فلفظتا "الإحسان" و"المعروف" تكررتا في القرآن عشرات المرات. والإحسان والمعروف يحملان معنى السماحة والشهامة والكرم والرحمة والوفاء بالعهد، وعدم المغالاة في استعمال الحق... ويستخلص من السياق الذي تستعمل فيه لفظتا الإحسان والمعروف، أن كل فرد في الأسرة مطالب بأن يرقب الله في كل مسلكياته وقراراته وحتى في ما يضمره في نفسه، أي " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

وكل ذلك لغاية جعل تماسك الأسرة أساس السلم الاجتماعي


الضابط الرابع للأسرة المسلمة : إقامة العشرة على أساس العدل لا المساواة فقط
ففيما يخص كيفية توزيع الأعباء والتكاليف يستخلص أن الأدوار التي يتكلفها أفراد الأسرة توزع انطلاقا مما يتقنه كل منهم لا من كثرة المحاسبة، انطلاقا من العدل لا من المساواة (في معناها التنافسي) ، ومن المودة والتسامح لا من التفاضل والتباغض والمنافسة، ومن الإحسان والتكريم لا من الظلم والتعسف...
بمعنى أنه يراعى في توزيع التكاليف التكامل وليس التوزيع العيني للأدوار، ولا قيامُ كل زوج بجزءٍ أو بنصفٍ من عين ما يؤديه الطرف الآخر. فالغاية من التسوية في الأحكام أن تقتسم المسؤوليات بحسب ما يتقنه كل منهما، بتكافؤ وتعاون وتكامل.

وأما فيما يخص المدلول المتسامي للمساواة في الشرع فمكن القول أنه يتحدد في معنى المساواة في التكاليف لا في الحقوق وحدها.
ويلزم التنويه هنا بأن المساواةَ المرادةَ في الشرع هي غير المساواة التي تعج بها الخطب الأيديولوجية. فالمساواة بحسب الشرع تعني التسوية في الحقوق وأيضا وأساسا، في الأحكام والواجبات والتكاليف الشرعية. وهي تفيد التوحد في خطاب الشرع الموجه إلى الرجل والمرأة على حد سواء.
على أنه كثيرا ما يشهر مبدأ القِوامة والطاعة لدحض مبدأ المساواة في الشرع. لذلك سأتوقف بإيجاز عند الاثنين. وأتساءل أولا عما إذا كان التوفيق ممكنا بين التسوية والقِوامة ؟

بسم الله الرحمان الرحيم
"الرجال قوامون على النساء بما فضل بعضهم على بعض في الرزق وبما أنفقوا من أموالهم.
من اللافت للنظر أن هذه الآية تُوَظَّـف توظيفا غير سليم في كثير من الحالات، إما لاستغلال المرأة وإما لضرب الشريعة واتهامها بإذلال المرأة، وسوف أستجلي التأويل المنسجم مع مقاصد الشريعة...
فلفظة "قوامون" أصلها من فعل قـام أي نهض وانتصب واعتدل؛ والقِوام العدل والاعتدال؛ قَوام الأمر وقيامه: اعتداله ونظامه وعِماده، وما يقوم به ؛ وقام على الأمر: حرص عليه وتولاه وراقبه... ولم نعثر في المعاجم على معان غير هذه للفظ.
يفهم إذن أن القِوامة لا يمكن أن تُحمَّل تماما أي معنى غير القيام على شؤون الأسرة وحفظ حقوق أفرادها وإن آيات عدة تؤكد ذات المعنى:
فأقيموا الصلاة..." "وأن تقوموا لليتامى بالقسط... كونوا قوامين بالقسط شهداء لله... كونوا قوامين لله شهداء بالقسط...
وعلى الجملة، ففي كل المواضع التي يذكر فيها فعل "قام" واشتقاقاته، يكون المراد الامتثال للتعاليم الإلهية بإحسان، وهو يقترن في كل مرة بالقسط والعدل ومراقبة الله في كل تصرف أو سلوك، والقيامِ لله. على هذا فالقيام على شؤون الأسرة عبادةٌ، قيام لله، امتثال للأوامر القانونية والشرعية .
ومقابل القِوامة التي هي تكليف على الزوج، وُضِعت تكاليف مقابلة على الزوجة لا تخلو من قيام. فالآية 34 من سورة النساء، بعد أن فرضت على الأزواج القيام، أردفت لتوها: "فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله...". وقانتات تعني عابدات، أي قائمات لله متواضعات له والقيام لله لا يستقيم من دون قيام على شؤون الأسرة بإحسان.
ثم أتساءل عما إذا لم تكن الطاعة تَـنْـتَـقِصُ من المساواة؟ وللإجابة أحدد أولا مفهوم الطاعة :
فالطاعة تفيد عدم العصيان وتفيد رعاية حدود الله واحترام النظام والقواعد التشريعية الملزمة.
يؤكد هذا أحكام تحسم بإطلاق أن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، حتى لو كان المخلوق أحد الوالدين وليس الزوج فقط: "وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما.

أما القول بخلاف ذلك فيُفْقِدُ عددا من الأحكام دلالتها ومقاصدها. فأمر الزوجة بطاعة عمياء لزوجها حتى لو خرق الحدود، أي النظام العام، فيه تناقض مع الأمر الإلهي بعدم طاعة المخالف لها، وتناقض آخر مع الأمر الإلهي بالتشاور والتراضي في تدبير شؤون البيت، ومع الدعوة للتوادد والسكينة والرحمة.

على هذا، فأحكام الأسرة التي تجب رعايتها وطاعتها هي "حدود الله" وليس أوامرُ الزوج النابعةُ من هواه أو المنحرفةُ عن مقاصد الشرع.

الأصل الخامس: ابتغاء الحكمة في فض النـزاعات الأسرية
بحسب السياسة الأسرية الإسلامية، فالدعوة لصون الود والتشاور والتراضي والتراحم لا تنتهي حتى بعد أن تستعصي العشرة. بل الحاجة للتوافق والحكمة هنا أكبر، لكون الأمر يقتضي فض كل المشاكل العالقة وتقسيم الأمور المشتركة في الهدوء.

هذه باختصار شديد بعض بنود السياسة الأسرية الإسلامية. وهي تدل بما لا نحتاج معه لمزيد إثبات أنها شمولية تحيط بكافة الأوضاع وتوظف كافة الآليات من قواعد تربوية وأخرى أخلاقية قيمية وثالثة تشريعية مشفوعة بالجبر والجزاء..

وفي الختام أستجمع ما جاء بصدد السؤالين الذين استهللت بهما وهما:
هل توجد نظم متعددة للأسرة ؟
وأية سياسة أسرية أكثر تحقيقا لنظام الأسرة؟

فبصدد السؤال الأول أقول : لا يوجد إلا نظام وحيد للأسرة هو الأسرة الزواجية، وهو النظام الذي يستحق الكونية والاستمرارية، لأنه الوحيد الذي يضمن التوازن النفسي ويحقق السلم الاجتماعي. وكونيته نابعة من شموله كافة الشرائع والملل والنحل (وتوجيه الخطاب فيه لكافة الناس: يا أيها الناس).
وإن الخروج عن هذا النظام هو خروج من حالة النظام إلى الفوضى.
والحاصل أنه مهما تعددت الخصوصيات ومهما استُحدِث من أشكال لـ"لأسرة"، تبقى الأسرة الزَّوَاجية الشكل الأكثر انسجاما مع الخاصية البشرية خاصية لا تعدد فيها.

وبصدد السؤال الثاني أقول: إن وصف السياسة الأسرية لا ينطبق إلا على تلك التي تستوفي شرطين على الأقل:
• أولهما أن تعتمد منهاجا شموليا، يعالج في عمومية جميع المشاكل، ويسعى لاستنقاذ الأسرة، ويوظف كافة الآليات لذلك،
• وثانيهما أن تتطلع (أي السياسات) إلى حماية الأسرة من الانحلال، وأن تَتَحَصَّنَ ضد الأيديولوجيات التي تروج لفكر لا يخدم هذا التماسك، وأن تتحرى الموازنة بين حقوق الفرد الخاصة وبين مصالح الأسرة العُلْيَا وتصون الثوابت والقيم.

إن المنهاج الأسلم هو الذي يثمر حقوقا وفي نفس الآن يؤلف بين أفراد الأسرة ويشيع المودة والتراحم.
وإذا كان الأمر كذلك فما وصلت إليه العلوم الاجتماعية لا يمكن نعته بسياسة أسرية، في حين تبيَّن أن السياسة الشرعية هي الوحيدة التي تستأهل هذا النعت.

وبالمناسية، استحضر أنه في سنة 2003، شاركتُ في مؤتمر دولي كان شعاره: السياسات الأسْرية في حوض المتوسط. وعندها راودني سؤال اعتبرت الإجابة عنه مركزية، وهو: هل توجد سياسات أسرية في حوض المتوسط أو سواه؟
فأكد لي البحث المستفيض أن ما يوجد هو سياسات لحماية أفراد تحمي بشكل مجزأ حقوق كل فرد، سياسات أو لنقل برامج تنموية يهم كل منها جانبا من الجوانب المادية لحياة الإنسان بغض النظر عن انتمائه للأسرة.

والحق يقال فالاتجاه الذي اختارته مدونة الأسرة المغربية تنطبق عليه مواصفات سياسة أسرية حكيمة، رزينة وهادفة أو على الأقل اللبنات الأولى لهذه السياسة، من منطلق كونها حَرَصَت على حماية الحقوق ووازنت بين الحقوق والحريات الفردية وبين المصالح العليا للأسرة والمتمثلة في تماسكها كما حَرَصَت على صون الثوابت والمقدسات. من ثم فهي تشكل لبنة أساسية في سياسة أسرية هادفة.

وقد جاء في الخطاب الملكي (أثناء الإعلان عن إكمال اللجنة أشغال مراجعة مدونة الأسرة) في وقت كثر فيه الصخب على مستوى الساحة الدولية والوطنية، وكثر الحديث عن حقوق فئة أو أخرى، دون تشوف إلى المجانسة بين الحقوق الفردية والجماعية، ودون تقدير للثوابت ومن أهمها تماسك الأسرة.

فقد راعى الخطاب الملكي التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها العالم بأسره تبعا لتغير أنماط الإنتاج والعيش، وراعى الظرفية الدولية والمواثيق الدولية دون أن يهدر خصوصية مجتمعنا. كما تضمَّن العناصر الأساسية لسياسة أسرية شمولية ستكون الأولى من نوعها أبدعت وسائل ترفع الحيف عن الفئات المتضررة، وفي نفس الآن اجتهدت للحرص على تحقيق مقاصد الشرع وضمان تماسك الأسرة.
والآن وقد وضع الخطاب الملكي الخطوط العريضة لسياسة شمولية، فقد أضحى دور الفاعلين في مجال الأسرة إبداع منهاج ذاتي ينطلق من الثوابت ويتكفل بمستجدات الحياة ويؤلف بين أفراد الأسرة ويضمن تماسكها.

ومطلوب من الفاعلين أن يضعوا نصب أعينهم ما يلي:
• ابتغاء مقاصد الشرع انطلاقا من الأصول النقية العادلة ؛
• استنقاذ قيم المعاشرة والتساكن وتوظيف كافة الوسائل لذلك ؛
• تدارس قضايا الأسرة بحكمة وشمولية، وإشراك الأكاديميين والممارسين بما يحقق تكامل العلوم والمعارف.
• تصحيح الشكل الذي يطرح به موضوع الأسرة
• تبيان أحكام الشرع ؛
• التركيز على حسن تطبيق النصوص وإيجاد الآليات الضرورية القادرة على منع تداعي الأسر؛
• إحياء مؤسسات التحكيم ؛
• إنشاء مؤسسات للأسرة تعوض الأدوار التي كانت تتقلدها الأسرة الممتدة، وإقامتها على أسس علمية لتشتغل إلى جانب مؤسسات التحكيم و المحاكم ...

 
      تقديم              أبحات           أنشطة         متابعات        جديد         اتصل بنا      
 ©